المامقاني

184

غاية الآمال ( ط . ق )

« أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » نظرا إلى انّه ناظر إلى ما هو المتعارف بين النّاس وليس الا البيع اللَّازم ومن اشتراط البلوغ وقد صرّح الجهالة في صحّته يدلّ على انتفاء الملزوم فالأمر ( حينئذ ) دائر بين التخصيص والتخصّص وبيان ذلك إنّا ان قلنا بكون المعاطاة بيعا فلا بدّ وإن نقول بأنّها قد أخرجت عن عموم الأدلة الدالَّة على الأحكام واللوازم المذكورة فيلزم التّخصيص في عموم تلك الأدلة وان قلنا بأنها خارجة عن موضوع البيع فلا يلزم التخصيص في تلك الأدلة ومن المعلوم انه إذا أراد الأمر بين التخصيص والتّخصيص فالثاني أولى وعلى هذا فلا تكون المعاطاة بيعا فلا بدّ ( حينئذ ) إمّا من القول بكونها معاملة مستقلة كما اختاره في شرح عد أو القول بكونها مفيدة لمجرّد الإباحة لكن الأوّل فاسد لقيام الإجماع على خلافه ويؤيّده انّه لو كان في الشّرع معاملة مستقلَّة غير ما ذكر في الكتب الفقهيّة لتعرضوا لها ولم يحم حول ما اختاره أحد فيتعيّن القول بالثاني هذا ولكن يمكن دفعه بما ذكر من صدق اسم البيع عليها فيشملها أدلته غاية الأمر أن يكون قيام الإجماع على عدم اللَّزوم فيها دليلا مخصصا لما يستفاد من أدلة البيع من كون اللَّزوم من أوصافه اللَّازمة وامّا عدم اشتراط البلوغ فيها وعدم قدح جهالة العوضين فيها فان قام عليهما أو على شيء منهما الإجماع فالحكم ( حينئذ ) حكم اللَّزوم من لزوم التخصيص والا كان اللازم هو القول بمشاركة المعاطاة لغيرها من أقسام البيع في اشتراط البلوغ أو العلم بالعوضين هذا تمام ما قاله ذلك البعض ولكن لا يخفى ما في دعوى دلالة الآيتين على لزوم البيع فان كونهما إشارتين إلى ما هو المتعارف من البيوع لا يقتضي لزومها لأنه من الأحكام الشّرعيّة ولو عند أهل العرف والعادة لا من أوصاف الافراد على وجه يترتب عليه الحكم والحكم على البيع بشيء لا يعطي إلا إثبات ذلك الحكم له من دون نظر إلى حكمه عندهم كما هو الشّأن في سائر موارد الحكم على الموضوعات خصوصا إذا وقع بمثل العبارة الواقعة في الآيتين من الحكم بمجرّد الحل والاستثناء من الأكل بالباطل وقد اعترف ذلك البعض بكون اللَّزوم والجواز من قبيل الأحكام الشرعيّة في غير هذا المورد وصرّح به ( المصنف ) ( رحمه الله ) أيضا ثمّ ان هذا الَّذي ذكره ذلك البعض هنا مناف لما وقع منه سابقا في مقام الإيراد على الشّهيدين قدّس سرهما من أن الطريقة الَّتي استقرّ عليها بناء أهل العرف انّما تعتبر في المفاهيم الكليّة دون تمييز المصاديق ومؤيد لما أوردناه عليه هناك من أن أنظار أهل العرف وان لم تكن معتبر في تمييز المصاديق في غير المقام الا انه يمكن ان ( يقال ) ان هذا المقام لا يقاس بغيره من المقامات ضرورة ان البيع ونحوه من العقود انّما هي من قبيل ما كان متقررا بين النّاس ثابتا عندهم وقد أمضاه ( الشارع ) غاية ما في الباب انه زاد على ما كان متقرّرا عندهم شروطا ومعلوم ان اللَّازم ( حينئذ ) اتباع ما علم منه من الشرائط الثابتة وترك ما لم يثبت فيؤخذ بما عندهم لعلمنا بان ( الشارع ) قد أمضاه ولا يتوهم إنا حيث التزمنا بالإمضاء يلزمنا الحكم باللَّزوم لأنه كان مقررا عندهم لأنا إنّما نلتزم بإمضاء الموضوع وسببيّته للملك في الجملة ولا نلتزم بإمضائه على خصوص وصف اللزوم فنحن نستفيد اللزوم فيما ثبت فيه من الأدلَّة الشرعيّة الأخر وممّا يشيّد أركان ما أوردناه على ذلك البعض هو انّه بناء على ما ذكره يلزم أن يكون أدلَّة الخيارات كلها مخصصة لقوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » وقوله سبحانه : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » ضرورة دلالتها على نفى اللَّزوم بالنّسبة إلى مواردها قوله ( رحمه الله ) مضافا إلى إمكان دعوى كفاية تحقق القدر المشترك في الاستصحاب قال ( المصنف ) ( قدس سره ) في الرّسالة الاستصحابيّة بعد تقسيم استصحاب المتيقن السّابق إذا كان كليّا في ضمن فرد وشك في بقائه مشيرا إلى القسم الَّذي هو من قبيل ما نحن فيه وامّا الثاني ( فالظاهر ) جواز الاستصحاب في الكلَّي ( مطلقا ) على ( المشهور ) نعم لا يتعيّن بذلك أحكام الفرد الَّذي يستلزم بقاء الكلَّي بقاء ذلك الفرد في الواقع سواء كان الشّك من جهة الرّافع كما إذا علم بحدوث البول أو المنى ولم يعلم الحالة السّابقة فإنه يجب الجمع بين الطَّهارتين فإذا فعل إحديهما وشك في رفع الحدث فالأصل بقاؤه وان كان الأصل عدم تحقق الجنابة فيجوز له ما يحرم على الجنب أم كان الشّك من جهة المقتضى كما لو تردد من في الدار بين كونه حيوانا لا يعيش إلا سنة وكونه حيوانا يعيش مائة سنة فيجوز بعد السّنة الأولى استصحاب الكلَّي المشترك بين الحيوانين ويترتب عليه آثاره الشرعيّة الثابتة دون أثار شيء من الخصوصيتين بل يحكم بعدم كلّ منهما لو لم يكن مانع عن إجراء الأصلين كما في الشّبهة المحصورة وتوهم عدم جريان الأصل في القدر المشترك من حيث دور انه بين ما هو مقطوع الانتفاء وما هو مشكوك الحدوث ومحكوم بالانتفاء بحكم الأصل مدفوع بأنّه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشّك في بقائه وإرتفائه أمّا لعدم استعداده واما لوجود الرافع هذا ما أردنا نقله من كلامه زاد اللَّه في إكرامه قوله فتأمّل لعله إشارة إلى دفع توهم ان الحكم ببقاء الملك هنا بعد الرّجوع لا يلائم ما ذهب إليه من ترتيب أحكام القدر المشترك دون شيء من الخصوصيّتين لان البقاء بعد الرّجوع انّما هو من آثار الملك اللازم الَّذي هو أحد الخاصّين المردّد بينهما ووجه الدفع ان هذا معنى الاستصحاب بالنّظر إلى هذا المورد الخاص لأنه عبارة عن الحكم بالبقاء والمفروض ان أحد طرفي الشّك هو الملك المستمر والأخر هو الملك المتزلزل وان وقوع الشّك في البقاء والزّوال انّما هو بعد الرّجوع فمعنى الاستصحاب ( حينئذ ) هو الحكم بالبقاء في هذه الحالة الَّتي هي ما بعد الرّجوع وتوضيح هذا ان ( يقال ) انه لو نذر ان يوقع معاملة لازمة أو يعطى من أوقع معاملة لازمة درهما لا يبرء نذره بإيقاع المعاطاة في الأوّل وإعطاء من أوقعها في الثّاني ويمكن تقرير وجه التّأمّل بوجه أخر وهو ان ( يقال ) انّه إشارة إلى دفع توهم ان استصحاب القدر المشترك لا يفيد في إثبات ما هو المقصود من الملك اللَّازم لأنه أحد الخاصّين المردّد بينهما وقد نفى صحّة إثبات كل من الخصوصيّتين ووجه الدفع انه وان كان مقتضى القاعدة ذلك الا ان خصوص المقام مقتض لما يخالفه وذلك لان إبقاء الملك بعد الرّجوع عبارة أخرى عن اللَّزوم قوله ( قدس سره ) لكن الكلام في قاعدة اللَّزوم في الملك يشمل العقود أيضا يعنى ان تبعية القصد المقررة في العقود وان كانت لا تجري في غيرها من المعاملات الفعليّة فتختصّ بالقوليّة الا ان أصالة اللَّزوم في الملك على خلافها فلا تختص بغير العقود بل يجرى فيها أيضا قوله وكذا لو شك في أن الواقع في الخارج هو العقد اللَّازم أو الجائز كالصّلح من دون عوض والهبة نعم لو تداعيا احتمل التخالف في الجملة اعلم أن الخلاف في العقد اللازم والجائز قد يقع بين المالك وغيره وقد يقع بين الخارجين